Loading...







الرئيسية/مقالات أدبية وعلمية/عودة اللاجئين السوريون بين الحلم والواقع


عودة اللاجئين السوريون بين الحلم والواقع

عدد المشاهدات : 1497
أ.عادل الجمعة
باحث في التاريخ العثماني ومنسق ومدرّس مادة التاريخ في مدارس الهيئة التربوية
حرر بتاريخ : 2025/02/04





عودة اللاجئين السوريون بين الحلم والواقع

مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب .

لا شك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة , وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية . فمصطلح "العودة إلى الوطن" في قانون اللاجئين يعني العودة إلى البلد الأصلي الذي تم الفرار منه في المقام الأول .

اللاجئون هم أشخاص يفرون من الصراعات أو الاضطهاد، يعترف بهم القانون الدولي ويحميهم، ولا يجب طردهم أو إعادتهم إلى أوضاع يمكنها أن تعرض حياتهم وحريتهم للخطر. وكل شخص يوجد، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد العودة بسبب ذلك الخوف .

تاريخ بدأ اللجوء السوري :

- دمشق - لا يزال العالم، منذ انطلاق الثورة السورية قبل 11 عاما، يشهد أكبر موجة لجوء ونزوح إنساني لشعب في التاريخ المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية   

تعتبر حقوق الإنسان في سوريا تحت حكم حزب البعث (المستمر منذ عام 1963) في حالة سيئة ، وقد ازداد تدهورها. وكانت انتفاضات الربيع العربي 2010-2011 في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن مصدر إلهام للاحتجاجات الكبرى في سوريا. فتدخل جيش النظام في مارس 2011، فازدادت أعمال القمع تدريجيًا، وتصاعدت إلى عمليات عسكرية كبيرة لقمع الثورة، لقي المئات مصرعهم على يد جيش النظام.

بحلول مايو 2011 فرّ آلاف الأشخاص من الحرب إلى البلدان المجاورة، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريش في عام 2014: «لقد أصبحت الأزمة السورية أكبر حالة طوارئ إنسانية في عصرنا، لكن العالم يفشل في تلبية مطالبهم .وتُقدّر منظمات الأمم المتحدة أعداد النازحين السوريين في وطنهم بنحو 6.9 ملايين نازح، مقابل نحو 5.5 ملايين لاجئ فروا إلى دول الجوار وأوروبا .

تصدّرت تركيا قائمة الدول ويحتل لبنان المرتبة الثانية.ويأتي الأردن في المرتبة الثالثة، ويحتل العراق المرتبة الرابعة ، أما في الدول الأوروبية بلغت أزمة اللجوء السوري ذروتها خلال عام 2015، وكانت ألمانيا في طليعة الدول التي استقبلت السوريين الفارين من الحرب. وتحتل السويد المرتبة الثانية ، تليها هولندا فالدانمارك   .

مخاوف العودة :

وقد أظهرت الأبحاث السابقة أن اللاجئين السوريين الذين يحاولون اتخاذ قرار بشأن العودة إلى وطنهم مدفوعون أكثر بالظروف في سوريا وليس بقرارات السياسة .

الواقع الاجتماعي : آثرت أن أضعه في قائمة المخاوف لما له من أهمية كبيرة في نفوس اللاجئين . يتحدّث اللاجئون عن صعوبة إعادة بناء حياتهم من جديد، خاصة أن السنوات الماضية كانت كفيلة باستنزاف مواردهم النفسية والاجتماعية .يقولون :  حتى لو أردنا العودة، فلا نملك ما يضمن لنا الاستقرار. نشعر أننا سنظل غرباء أينما ذهبنا". كيف يمكننا أن نبدأ من جديد في وطن لا يحمل لنا سوى الذكريات المؤلمة؟، فضلاً عن القلق من الرفض الاجتماعي بعد غيابهم الطويل ، حتى لو تغيّر النظام ، فإن بناء حياة جديدة هناك يبدو مستحيلاً ، هذه المشاعر تعكس حالة آلاف اللاجئين السوريين الذين يعيشون في حالة اغتراب مزدوجة: اغتراب في بلاد اللجوء، واغتراب عن وطنهم الذي تغيّر كثيراً خلال سنوات غيابهم.

الواقع الأمني : ويشدد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الظروف الأمنية والإنسانية عند الدعوة إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. بالمقابل توجد مناطق مدمرة ومليئة بالألغام، ما يعرض العائدين لخطر كبير. لذلك يجب أن تكون العودة وفقاً للمنطقة التي جاء منها كل شخص، وليس عبر دعوات جماعية غير مدروسة." والوضع لا يزال خطيراً وغير مطمئناً . أخشى من خلايا نائمة وتدهور الوضع الأمني، كما أني لا أستطيع التمييز بين الصديق والعدو في هذه المرحلة".

الواقع السياسي : وعلى الرغم من أن العودة إلى الوطن كانت حلماً مشتركاً لكثيرين، إلا أن الواقع يفرض تعقيدات أكبر، حيث تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الظروف ستكون مهيأة لعودة آمنة، أم أن الوطن سيظل ساحة للمعاناة التي قد تستمر لسنوات طويلة.وفي حين استشعر السوريون العديد من التغييرات الإيجابية فوَر سقوط النظام، إلا أن غموض المستقبل وصعوبات المرحلة الانتقالية شوّشت مشاعرهم، لتتحوّل البهجة بنصر الثورة والخلاص من الطاغية إلى قلق عميق. يقول أحدهم: "سوريا اليوم تعيش عرساً كبيراً، لكن الجميع في حالة ترقب وخوف من الغد".وتشكّل السلطات الجديدة مصدر قلق كبير لكثيرين، إذ ما تزال توجهاتها وأهدافها غامضة. هل ستكون قادرة على تجاوز إرث عقود من الفساد والاستبداد والقمع؟ أم ستعيد إنتاج دوامة جديدة من الظلم؟ هذا السؤال يؤرق اللاجئين الذين يتابعون التطورات عن كثب. بالنسبة لغالبية أولئك الذين لم يعودوا بعد، تظل هناك أسئلة واعتبارات مهمة.

الواقع الاقتصادي : حتى لو أراد اللاجئون العودة إلى سوريا، فإن الواقع هناك يجعل الأمر شبه مستحيل، يقف الانهيار الاقتصادي كحاجز آخر أمام أي أمل مشرق بالعودة. التضخم المتسارع، وندرة الموارد، والبنية التحتية المدمرة كلّها عوامل تجعل من إعادة بناء الحياة في سوريا تحدياً هائلًا. ". كما يعاني كثير من السوريين داخل البلاد من نقص في فرص العمل، ما يعني أن العودة ليست خيارا آمنا ومضمونا لملايين اللاجئين من الناحية المعيشية.ويشهد الاقتصاد السوري أزمة غير مسبوقة، تشمل ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، فقد دمرت سنوات الصراع اقتصاد بلادهم وبنيتها التحتية. ويتعين على السوريين الذين يناقشون ما إذا كانوا سيعودون إلى ديارهم أن يواجهوا أيضا الدمار الاقتصادي الناجم عن سنوات من الحرب، والعقوبات الدولية المفروضة على نظام الأسد . وهنا سيتعين على اللاجئين السوريين أن يَزِنوا ما إذا كان من الأفضل لهم البقاء في بلدانهم المضيفة.

الواقع الحياتي والمعيشي :

الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم ما تزال في وضع مأساوي. يضاف إلى ذلك أن كثيراً من العائدين لن يجدوا منازلهم، حيث دُمّرت أو استولت عليها ميليشيات النظام ، وضعف الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة، ما يشكل عائقا كبيرا أمام عودة اللاجئين، كما أن الحرب دمرت بنية تحتية واسعة قد يستغرق إصلاحها وقتا طويلا ويحتاج إلى تمويل كبير، والمشكلة تكمن في أن عدداً كبيراً منهم، هم من مناطق لا تزال مدمرة بالكامل، بالتالي أسباب اللجوء بالنسبة لهؤلاء لا تزال قائمة"، ولم توضع أي خطة عملية لإعادة إعمار المناطق المدمرة. لا أعلم إن كان هؤلاء اللاجئون مستعدين للعودة فوراً في ظل غياب بيوت أو مخيمات تأويهم".  يقول لاجئ كيف نعود إلى مكان لا يحتوي حتى على الحد الأدنى من مقومات الحياة؟ العودة تعني أن نفقد كل شيء مرة أخرى، ربما إلى الأبد". وسوف تضطر الحكومة السورية المؤقتة أيضا إلى معالجة قضية استعادة الممتلكات. وقد يرغب العديد من الأفراد في العودة إلى ديارهم فقط إذا كان لديهم بالفعل منزل يعودون إليه. وتؤدي سياسة نقل الملكية القسري، واستيطان العلويين والأقليات المتحالفة مع نظام الأسد في المناطق السنية السابقة التي تم إخلاؤها أثناء الحرب، إلى تعقيد القضية.

الخاتمة :

نتعلّم أنّ الهجرة ليست النهاية وأنّ السفر لا يعني الانشقاق عن الوطن. بل كلّما اشتقنا لوطننا أكثر، تحفّزنا لأن نعمل ونتعلّمُ كي نعود إلى وطننا وفي يدينا ما يعمّره ويفيده ، نؤمن بأنّنا نحن صانعوا مستقبلنا .

نتعلّمُ أنّ الأهداف تبقى ثابتة مهما واجهنا من صعوبات. نتعلّمُ أنّ للوطن واجبٌ وحقٌ علينا وأنّ لدينا أمانة يجب أن نؤدّيها. نتعلّم أنّ الهجرة قد تكون بداية لنجاحاتٍ كبيرة كان من الممكن ألا نرى بريقها لو لم نهاجر. نتعلّمُ أنّ بذرة الوطن التي تعيشُ بداخلنا لا تموت أبدا مهما طال البُعد والفراق

صحيحٌ أنّ ظروفاً صعبة جداً تمرّ بها بلادنا، الملايين هُجّروا ومئات الآلاف قتلوا والمئات غرقوا في البحار باحثين عن بريق أمل ظنّوا أنّه لن يعود. كل المآسي التي نراها ونعيشها ونسمع بها ليست سوى تحدٍ لنا بأن ننهض بأمّتنا، ننهض بها كي لا نسمح لها بأن توقع بلادنا في المستنقع الذي وقعت به.

التعليقات

اضافة تعليق جديد

الإسم
البريد ( غير الزامي )
د.محمد المصري

شكرًا جزيلًا أستاذ عادل على هذا المقال الرائع والمفيد فعلاً المقال غني بالمعلومات .
احمد ادريس

كلام من ذهب استاذ عادل
محمد عبد الغني
محمد عبد الغني
محمد عبد الغني ا لا ء غفران
محمد عبد الغني
محمد عبد الغني
محمد الاء غفران
محبة الرحمن

شكرا جزيلا أستاذ عادل من سنتين و أكثر و انت تريد العودة و تحن لوطنك مثل حالنا و حال الكثيرين من السوريين مقال رائع و مفيد
فاطِمة

مقال جميل يطرح فكرته بوضوح شكراً يا استاذنا
Alramadan Abdulah

نهاية الطواغيت معروفة على مر التاريخ..ولكن لا يأخذون العبرة ممن سبقهم
سيلين رحمون

مقالة رائعه و جميلة جداً تنص على معاناة اللاجئين السوريين بين الأمل والواقع، وتتناول التحديات الاجتماعية، الأمنية، السياسية، والاقتصادية التي تواجههم، بالإضافة إلى أهمية العودة إلى الوطن وأثرها على حياتنا. شكراً أستاذنا العزيز، ننتظر منك كل ما هو جميل ومميز.


إليك فيديو عن أخر أعمال وأخبار الهيئة


تواصل معنا

أرسل لنا رسالة