Loading...







الرئيسية/مقالات أدبية وعلمية/دور محكمة الجنايات الدولية في محاسبة مجرمي نظام الأسد


دور محكمة الجنايات الدولية في محاسبة مجرمي نظام الأسد

عدد المشاهدات : 11





دور محكمة الجنايات الدولية في محاسبة مجرمي نظام آل الأسد

( الاختصاص – التحدّيات – الحلول – الأهمية)

مقال بقلم د.مجد عيون السود

متخصّص في القانون الدولي

28 نيسان 2026                  

مقدّمة :

تُعتبر محكمة الجنايات الدولية مُنظّمة دولية مستقلّة، تعمل على مُحاكمة الأفراد المُتّهمين بأشدّ الجرائم خطورةً موضع الاتهام الدولي، سواءً أكانوا رؤساء، قادة عسكريين، جنود، ميليشيات، أو حتى مدنيين في أفعال جرمية اقترفوها ( جرائم الإبادة الجماعية – جرائم ضد الإنسانية – جرائم الحرب )  لإيمانها العميق بأنّ هذه الجرائم تُثير قلق المجتمع الدولي ويجب ألّا تمر دون عقاب . يعود تأسيسها إلى عام 2002 بموجب معاهدة يُطلق عليها " نظام روما الأساسي" ومقرّها في هولندا – لاهاي- ووقّع على هذه الاتفاقية ما يُقارب 120 دولة وسوريا ليست طرفاً بهذه المعاهدة.

انعكاس اختصاص المحكمة على الجرائم المقترفة في سوريا خلال سنوات الثورة وماقبلها :

من الواضح أنّ الجرائم المُقترفة في سوريا على مدار ال أربعة عشر عاماً باتت واضحةً أمام المُجتمع الدولي وينطبق عليها جرائم الإبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من القتل، الإبادة، الاستعباد، والتعذيب ضد مدنيين والحاق أضرار جسدية وعقلية بمدنيين، وإخضاع جماعات للحصار وإيقاع المجاعات بحق مناطق معينة مُعارضة للنظام" وإلقاء وبراميل على رؤوس المدنيين واستخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات الممنوعة دولياً (أسلحة الكيماوي) وإلحاق الأضرار الكبيرة من دمار وسرقة " تعفيش" بالممتلكات الخاصة والعامة والمشافي والمساجد والكنائس، إضافةً لتجنيد الأطفال والنساء والاغتصاب والحمل القسري وجرائم العنف الجنسي والتعذيب بسبب الآراء السياسية وما ينتج عنها من عاهات وأضرار جسدية وعقلية "

 فما قام به المجرم "عاطف نجيب" والمجرم " أمجد يوسف" " ووسيم الأسد" وغيرهم الكثير خلال فترة الثورة السورية، وفي فترة الثمانينات في حماة على يد حافظ الأسد ورفعت الأسد من جرائم تمّ اقترافها من أفعال جرمية بحق المدنيين العزّل والأطفال والنساء تدخل في هذا التوصيف، ما يعني دخول صلاحيات واختصاصات هذه المحكمة الخاصة في الجرائم المقترفة من رموز وضباط نظام الأسد الساقط.

الإشكالية :  

تتمثّلُ الإشكالية بإطارها العام في أنّ سوريا قامت بالتوقيع على نظام روما عام 2000 وكان ذلك في عهدة الرئيس الفار " بشار الأسد" لكنها لم تُصادق عليه، بمعنى أنّ سوريا لا تخضع لاختصاصات هذه المحكمة ولا يُمكن للمحكمة الجنائية الدولية ممارسة ولايتها القضائية في سوريا ولا يكون للمدّعي العام أن يفتح تحقيقاً من تلقاء نفسه في مثل هذه الجرائم .

والاشكالية تتجسّد في المادة 11 من نظام روما حيث " لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها الّا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة وانضمامها وتوقيعها وتصديقها لميثاق روما" وهذا غير متاح بالنسبة لسوريا .

الحُلول القانونية :

عدم دخول الدولة في اتفاقية روما لا يقطع الطريق أمام محكمة الجنايات الدولية بالتدخّل، بل هُنالك مسار مُمكن من خلاله إحالة مجرمين اقترفوا جرائم تدخل في اختصاصها دون أن تكون الدولة طرف بالمعاهدة وذلك بموجب " إحالة من مجلس الأمن وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة"   م13 من ميثاق روما.

فأي دولة عضو في مجلس الأمن " من الأعضاء ال 15" يمكنها طرح الأمر " إحالة المجرمين زمن النظام المخلوع" الى المدّعي العام للمحكمة، وبموجب موافقة 9 من 15 عضو يتم إحالة الملف للمدّعي العام في محكمة الجنايات الدولية . وفي هذه الحالة يكون للمحكمة الحق في التحقيق على كافة الجرائم المذكورة والمقترفة من المجرمين أتباع نظام بشار الأسد الساقط والمُشار اليها في بداية المقال،  ويمكن أن تصدر مذكرات توقيف بحق كافة المجرمين سواء أكانوا داخل سوريا أم خارجها ووفق المادة 59 من نظام روما يكون على الدولة المتحفظة أن تقوم بتسليم الشخص للمحكمة " الدول الطرف في المعاهدة"

الإشكالية الأعمق :

تتجسّد الإشكالية الأعمق عند إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية بعد الموافقة عليه 9 من 15 ، في حق الفيتو الممنوح لأعضاء مجلس الامن الدائمين ( روسيا-الصين- أمريكا- فرنسا- بريطانيا ) ، فهنا يتصدّر الى المشهد الفكر السياسي تحديداً عند روسيا والصين اللتين استخدمتا الفيتو لمرات عديدة لصالح النظام السوري قبل السقوط ، وقد يكون ذلك لمُبررات سياسية واقتصادية من طرفهم قبل سقوط النظام، أما اليوم بعد سقوط النظام وهروب مئات بل آلاف من ضباطه وجنوده وقياداته خارج سوريا ، وبعد النجاح الملحوظ في مسار المسار الدبلوماسي للدولة السورية الجديدة مع كل دول العالم بما فيها روسيا، أرى أنّه لا يوجد ما يمنع تحريك الملف من جديد بشكل جدّي وفعّال في سبيل تفعيل دور محكمة الجنايات الدولية وإيصال من أجرم بحق الشعب الى محكمة الجنايات الدولية. وبعيداً عن العواطف نتمنى ألا تستخدم أي دولة حق الفيتو لإيقاف هذا المسار في حال تفعيله لأنه حقيقةً بعد سقوط النظام وسقوط المصالح بمختلف أبوابها لا يوجد أي مُبرر للفيتو وسوف يكون على من سيستخدمه وصمة عار في مسار العدالة الدولية .

وتجدرُ الإشارة أيضاً أنّ الإشكالية الأعمق نراها عندما يستطيع المجرم الفرار الى دولة ليست عضو في اتفاقية روما فهنا تكون غير ملزمة بتسليم المجرم الى المحكمة ويدخل في هذه الحالة دور الولاية القضائية العالمية الذي يسمح للدولة بمحاكمته وفقاً لقوانينها ويمكن اتباع مسار رفع اسمه للإنتربول الدولي أيضاً .

أهمية تفعيل مسار محكمة الجنايات الدولية:

إنّ تفعيل مسار محكمة الجنايات الدولية بحق من أجرم بحق الشعب السوري له أهمية خاصة، فسوريا بعد التحرير متعطّشة بشعبها لتحقيق العدالة ورؤية المجرمين خلف القضبان، وقد تكون مسارات المُحاسبة والمحاكمة الداخلية تحمل صعوبات عديدة أبرزها :

-       اغلب المجرمين هربوا خارج البلد ليلة السقوط وبالتالي هم خارج حدود سوريا ...

-      صعوبة اقناع الدولة السورية الجديدة الدول الحاضنة لمثل هؤلاء المجرمين بضرورة تسليمهم لها لمحاسبتهم وفق القانون الوطني.

-       عدم اكتمال جسد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وعدم اصدار قانونها " حتى تاريخ كتابة هذا المقال  " الذي يضع الإطار القانوني العام للمساءلة والمُحاسبة .

-      سقوط العديد من الجرائم بالتقادم بعد مرور عشر سنوات على الجرم .

-      غياب الادعاء الشخصي في بعض القضايا والحالات.

-      إشكالية محاكمة ومُحاسبة الميليشيات الأجنبية التي قاتلت مع صفوف النظام الساقط ضد الشعب السوري خلال سنوات الثورة وأغلبهم من حزب الله اللبناني، والميليشيات الإيرانية، والباكستانية، والأفغانية .

-      عدم وجود مناخ قانوني مُستقر لمحاسبة مثل هؤلاء المجرمين وعدم الرؤية الواضحة أمام الرأي العام بين صلاحيات وزارة العدل وأجهزتها القضائية من جهة والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية "ذات الصفة المستقلة" من جهة أخرى .

-       يخشى المجتمع الدولي من أن تكون هذه المحاكم انتقامية وتحمل مفهوم "محاكم المنتصر"  ..

كُل ذلك يُعتبر تحدّيات حقيقية في محاسبة المجرمين في زمن النظام الساقط ويدفعنا حقيقةً لضرورة مناشدة لتفعيل دور محكمة الجنايات الدولية في مساءلة ومحاسبة من أجرم بحق الشعب السوري .  

الخُلاصة:

القضاء السوري الوطني والمحاكم الوطنية هي الجهة الأولى التي يحقُّ لها أن تُحاسب من أجرم بحق الشعب السوري، والثقة بالنسبة للشعب السوري ستكون بوصلتها تجاه القضاء السوري والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وقانونها وحاكمها وتشريعاتها..، لكن نحن أمام عدد كبير وكبير جداً من المجرمين الذين اقترفوا أبشع أنواع الجرائم في زمننا وتاريخنا الحديث فأتوقع أنّه لا يوجد جرم في العالم لم يقترفونه هؤلاء بحق أبناء الشعب السوري ( من اغتصاب وقتل ممنهج وتعذيب بأبشع الطُرق- واغتصاب معنوي وتعذيب نفسي "فالمرأة تُغتصب وأصواتها على مسمع ومرأى زوجها"  – وتقطيع وبيع أعضاء وإتجار بالبشر وقتل تبعاً للعرق والدين وسياسة تجويع وتهجير قسري وغير ذلك من أبشع أنواع الجرائم التي تحمل توصيف جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة، ولأننا في عالمنا الحالي يوجد محكمة " اسمها محكمة الجنايات الدولية" وهي متخصّصة بهذا الأفعال والجرائم، ولأن عدد المجرمين بالآلاف وقد نكون أمام مئات الآلاف منتشرين في مختلف دول العالم، ولأن الحمل من وجهة نظري أكبر من قدرة المحاكم السورية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية " على الأقل في الفترة الحالية" ، ولأنَّ الشعب السوري تغلبهُ العاطفة في تحقيق العدالة بحق من أجرم بحقّه ، ولأن هنالك العديد من الدول قد يكون لها تحفّظ على تسليم من أجرم بحق الشعب السوري للدولة السورية لاعتبارات عديدة،  ولأن الآلية الإجرائية في إحالة الملف للمدّعي العام باتت ممكنة ودول الفيتو باحتمال كبير لن يستخدموا هذا الحق بعد سقوط النظام ، ولأن العدالة الدولية فوق كل شيء والمجتمع الدولي يُراهن على تحقيق العدالة وإن طال الزمن .. أقول بأنّ مسار إحالة ملف من أجرم بحق الشعب السوري أينما كانوا داخل أو خارج سوريا من قادة أو ضباط أو مجندين أو مدنيين الى محكمة الجنايات الدولية هو مسار سليم وفعّال وبحاجة لإرادة دولية حقيقيةً وقناعة مُطلقة بضرورة محاسبة هؤلاء وفي حال تحقق هذا المسار سيسجّل التاريخ الحديث بصمة فريدة لجهود "محكمة الجنايات الدولية" و"محاكم سوريا الوطنية" والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" في مسار تحقيق العدالة . 

التعليقات

اضافة تعليق جديد

الإسم
البريد ( غير الزامي )
لم يتم العثور على تعليقات بعد


إليك فيديو عن أخر أعمال وأخبار الهيئة


تواصل معنا

أرسل لنا رسالة